«ونظرًا للدور المحوري الذي تلعبه جماعة الإخوان المسلمين في نشر الإرهاب الحديث في كل مكان ، فإننا سنواصل تصنيف فروعها في أنحاء الشرق الأوسط وخارجه كمنظمات إرهابية خطرة ، بهدف سحق هذا التنظيم أينما وجد».
لم تصدر هذه العبارة عن دولة في خصومة مع التنظيم وتوجهاته ، ولا عن نظام سياسي عربي يخوض مواجهة مباشرة معه ، وإنما وردت نصًا في وثيقة «الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب ٢٠٢٦» الصادرة عن البيت الأبيض أمس ، لتكشف عن تحول استراتيجي بالغ الخطورة في رؤية واشنطن إلى تنظيم الإخوان المسلمين.
لغة الوثيقة وصياغتها وحدتها غير مسبوقة؛ فالإدارة الأمريكية لم تعد تتحدث عن «الاحتواء» أو «الدمج السياسي» أو «الفصل بين الدعوي والسياسي»، بل تتحدث بوضوح كامل عن «السحق». كلمة جديدة وخشنة وحاسمة، لكنها تعكس حجم التحول الذي جرى داخل العقل الأمني الأمريكي بعد سنوات طويلة من المراجعات والتجارب والارتباكات.
الوثيقة تعتبر أن كل الجماعات الارهابية الحديثة — من القاعدة إلى داعش— تتبع جذورها الفكرية والتنظيمية إلى تنظيم الإخوان المسلمين. هذا ليس مجرد توصيف عابر، بل هو إعلان أمريكي بأن الجماعة لم تعد تُرى باعتبارها تيارًا سياسيًا أو حركة اجتماعية، وإنما باعتبارها «الأصل الفكري» الذي خرجت من رحمه التنظيمات الأكثر عنفًا في العالم.
الأخطر أن واشنطن لم تكتفِ بالتحليل الفكري، بل انتقلت إلى الإجراءات العملية، حين أعلنت تصنيف بعض فروع الجماعة كمنظمات إرهابية أجنبية، مع تعهد واضح بملاحقة بقية الأفرع في الشرق الأوسط وخارجه. المعنى السياسي هنا شديد الوضوح؛ الولايات المتحدة بدأت تتعامل مع الجماعة كشبكة عابرة للحدود، لا كتنظيم محلي داخل دولة بعينها.
ما الذي تغيّر إذن؟
الذي تغيّر هو أن الولايات المتحدة نفسها وصلت — متأخرة جدا — إلى القناعة التي تحدثت عنها دول عديدة في المنطقة منذ سنوات خاصة مصر ، وهي أن الإرهاب لا يبدأ بالرصاصة، بل يبدأ بالفكرة، وأن التنظيمات المسلحة لا تولد من فراغ، وإنما تخرج من بيئات أيديولوجية وتنظيمية توفر لها الحاضنة الفكرية والتمويلية والبشرية.
لقد جاء تصاعد نفوذ الميليشيات في الاقليم وتوسع الشبكات العابرة للحدود، لتدفع واشنطن إلى إعادة النظر في رهانات قديمة قامت على فكرة إمكانية توظيف بعض تيارات الإسلام السياسي أو دمجها داخل المشهد السياسي بالقوة . واليوم تبدو الإدارة الأمريكية أكثر اقتناعًا بأن تلك الرهانات لم تنتج استقرارًا، بل ساهمت في توسيع دوائر الفوضى.
ومن هنا يمكن فهم التحول الأمريكي من مرحلة «إدارة الفوضى» إلى مرحلة «مواجهتها »، ومن مرحلة التمييز بين الإسلام السياسي والإرهاب العنيف إلى مرحلة الربط بينهما باعتبار أحدهما البيئة المنتجة للآخر.
الثابت أن وثيقة البيت الأبيض الأخيرة ليست مجرد بيان أمني عابر، بل مؤشر على مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، عنوانها أن واشنطن أعادت تعريف خصومها… وأعادت ترتيب أولوياتها، فعلى الاخوان ومناصريهم ان يعرفوا ان اللعبة قد انتهت ودورهم قد انتهى وأنهم قد استخدموا كمناديل المرحاض وجاء وقت إلقاءهم في اقرب سلة مهملات .